خالد حسن هنداوي
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((1))
سورة الفاتحة (1)
” مكان وزمان النزول، سبب التسمية، الفضائل، حكم قراءتها في الصلاة، الأهداف العامة والأفكار الرئيسية للسورة، فضيلة الحمد والإيمان باليوم الآخر والعبادة والدعاء، السير على طريق الصالحين، حكم التأمين بعد الفاتحة “
مكية، عدد آيها سبع آيات (1).
س1 متى أُنزِلت سورةُ الفاتحة؟
ج 1 أُنزِلت السورة بعد سورة العلق والمدثر(2).
س2 لماذا سُمِّيت سورة الفاتحة بهذا الاسم؟
ج2 سميت فاتحة الكتاب لأن اللّه تعالى افتتح بها القرآن(3).
س3 عدّدْ أهمَّ فضائل سورة الفاتحة؟
ج3 1. أَعظَم سورةٍ في القرآن: عن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى رضي الله عنه قال: (كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّه تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال:24]، ثم قَالَ لِي: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ». ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: «أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ»، قَالَ: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ”)(4).
وهي دواءٌ وشفاءٌ من الأسقام المادية والمعنوية، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((في فَاتِحَةِ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ))(5).
2. لسورة الفاتحة أسماءٌ عديدةٌ، منها: سورة الحمد للّه، والواقية، والشّافية، والسّبع المثاني وفاتحة الكتاب.
وتسمية السورة بفاتحة الكتاب تدلّ على فضلها وشرفها؛ لأن الابتداء بالشّيء يدلّ على أهمّيّته وتقدّمه على غيره(6).
3. سورة الفاتحة مطلوبةٌ في كلّ ركعةٍ من ركعات الصّلاة، فلا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
س4 ما الأهداف العامة لسورة الفاتحة(7)؟
ج4 1. تلخيص معاني القرآن الكريم ومقاصده.
2. بيان طريق العبودية للّه تعالى، وتجنب طريق المنحرفين عن الهداية.
س5 ما الأفكار الرّئيسيّة التي اشتملت عليها السورة؟
ج5 1. إنّ سورة الفاتحة شاملةٌ لمقاصد القرآن الكريم رغم قصرها، وهي أربعةٌ: الأوّل: التّوحيد ومعرفة اللّه عزوجل وصفاته، الثّاني: العبادات، الثّالث: الأخلاق، الرّابع: قَصص وأخبار الأمم السّالفة(8).
2. سورة الفاتحة مختصةٌ بمناجاة اللّه سبحانه وتعالى، ولهذا اختُصَّت الصّلاة بها، وهي مقسومةٌ بين العبد والرّبّ نصفين، فنصفها الأوّل ثناءٌ للّه سبحانه وتعالى، ونصفها الثاني دعاءٌ ورجاءٌ، وهذه الخاصية لم تثبت لغيرها من السور(9).
3. إنّ الحمد في قوله تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) }، يتضمّن الاعتراف بربوبيّة اللّه عزوجل، وربوبيّتُه تعالى ليست مبنيّةً على القهر وإنّما على الرّحمة التي وصف اللّه عزوجل بها نفسه في الآية التي تليها: { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) } (10).
4. الحمد أعمُّ من الشّكر؛ لأنّ الشّكر لا يكون إلّا جزاءً على نعمة، والحمد يكون جزاءً كالشّكر، ويكون ثناءً ابتداءً.
كما أنّ الشّكر قد يكون أعمَّ من الحمد، لأنّ الحمد باللّسان، والشّكر باللّسان والقلب والجوارح(11).
5. قولنا: “الحمد للّه رب العالمين” يُكسبنا ثلاثون حسنة، فعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللّه اصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ أَرْبَعًا: سُبْحَانَ اللّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، وَاللّهُ أَكْبَرُ، فَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ، كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَحُطَّتْ عَنْهُ عِشْرُونَ سَيِّئَةً، وَمَنْ قَالَ: اللّهُ أَكْبَرُ فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً وَحُطَّتْ عَنْهُ ثَلَاثُونَ سَيِّئَةً))(12)، كما أنها تزيدنا عبودية لله تعالى، فهي علامة ودلالة من دلالات التوحيد (13).
ومن فضائلها أيضاً: ما روي عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ (أَوْ تَمْلَأُ) مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ … الحديث)) (14).
6. قدّمَ الحمدَ والثّناءَ على الدّعاء حتّى نتعلَّم أنَّ شكر اللّه سبحانه وتعالى وطاعتَه سببٌ لقَبول دعواتنا، وتلك هي السّنّة في الدّعاء.
وكذلك قدّم { الرَّحْمَنِ } على { الرَّحِيمِ } لأنّ رحمة اللّه عزوجل سبقت غضبه (15).
7. يشير قوله تعالى: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } إلى أهمّ أركان العقيدة والإيمان _ بعد الإيمان باللّه تعالى_ وهو الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعْثٍ، وسؤالٍ، وحشْرٍ، ونشْرٍ، وحسابٍ، وجنّةٍ، ونارٍ، وغير ذلك ممّا فصّله القرآن في العديد من السُّوَر والآيات(16).
8. قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } يفيد الحصْر، أي: لا نعبد إلا أنت يا اللّه، ولا نستعين إلا بك، وهذا اعترافٌ بالعجز والفقر(17).
9. تُبيِّن لنا سورة الفاتحة في قوله تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} أنّ علاقة المسلم بربّه يجب أن تكون قويّةً ومتّصلةً دائمًا، يدعوه باستمرارٍ ويسأله الهداية وغيرَها(18).
10. في قوله تعالى: { اهْدِنَا } يطلب المسلم من ربه جل جلاله الثبات على الهدى والزيادة منه كل يوم في صلاته، لأن الدنيا مليئة بالفتن، ولا نستطيع مواجهة الفتن إلا بالاستعانة بالله عزوجل(19).
11. حثّتنا السّورة الكريمة أن نسير على نهج الأنبياء والصّالحين، ونهتدي بهديهم وذلك في قوله تعالى: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } (20).
12. تحثنا السورة الكريمة على تجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وهما نموذجان من البشر، الأول: عرف الحقّ ثم عاداه حسدًا وعنادًا واتّباعًا للهوى، وعلى رأس هذا النموذج اليهود. والثاني: من ضلّ ولم يهتد إلى الحقّ، وضاع في متاهات الأفكار البشرية وعلى رأسهم النصارى(21).
13. يُسَنُّ للمصلي في الفريضة والنافلة أن يقول: آمين بعد قول: {وَلَا الضَّالِّينَ} منفردًا كان أو إمامًا أو مأمومًا، رجلًا كان أو امرأةً، ويُسَنُّ للرجال الجهر بها، بينما تُسِرُّها النِّساء(22).
هوامش:
(1) الأكثرون على أنها مكية بل ورد أنها أول ما نزل، واشتهر عن مجاهد القول بأنها مدنية، وقد قال الحسين بن الفضل: هذه هفوة من مجاهد، لأن العلماء على خلاف قوله. البيان في عد آي القرآن لأبي عمرو الداني: ص139، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 1/46.
(2) تفسير ابن كثير: 1/101، التحرير والتنوير لابن عاشور: 1/135.
(3) معالم التنزيل للبغوي: 1/49.
(4) صحيح البخاري، كتاب: تفسير القرآن، باب: ما جاء في فاتحة الكتاب، 3/189، رقم: 4474.
(5) سنن الدّارمي، كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل فاتحة الكتاب، 4/2122، رقم: 3413. وهو مرسل عن عبد الملك بن عمير.
(6) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جُزَي: 1/44، التفسير الموضوعي لمصطفى مسلم: 1/17.
(7) التفسير المنير للزحيلي: 1/56.
(8) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ص725.
(9) تفسير الفاتحة لابن رجب الحنبلي: ص40.
(10) تفسير البحر المحيط لأبي حيان: 1/132.
(11) التسهيل لعلوم التنزيل: 1/44.
(12) السنن الكبرى للنسائي، كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ذكر ما اصطفى اللّهُ سبحانه وتعالى من الكلام، 9/309، رقم: 10608. وسنده صحيح أو حسن أو ما قاربه، كما قال أحمد شاكر.
(13) ينظر: التسهيل لعلوم التنزيل: 1/45.
(14) صحيح مسلم: كتاب: الطهارة، باب: باب فضل الوضوء، رقم: (223).
(15) المرجع السابق: 1/46.
(16) تفسير ابن كثير: 1/133.
(17) التسهيل لعلوم التنزيل: 1/46.
(18) في ظلال القرآن لسيد قطب: 1/26.
(19) التسهيل لعلوم التنزيل: 1/46.
(20) تفسير ابن كثير: 1/140.
(21) التفسير الموضوعي لمسلم: 1/14.
(22) نفسه: 1/17.


